واختلف أصحابه في على ثلاثة أوجه: موجب الضمان في الغصب والإتلاف،
[ ص: 136 ] أحدها: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون.
والثاني: الواجب المثل في الجميع.
والثالث: الواجب المثل في غير الحيوان، ونص عليه أحمد في الثوب والقصعة ونحوهما.
ونص عليه في الجدار المهدوم ظلما يعاد مثله. الشافعي
وأقول الناس بالقيمة ومع هذا فعنده، أبو حنيفة، ولهذا يجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته، ولو كان الثابت في الذمة القيمة، لما جاز الصلح عنها بأكثر منها. إذا أتلف ثوبا ثبت في ذمته مثله لا قيمته،
فظهر أن من لم يعتبر المثل، فلا بد من تناقضه، أو مناقضته للنص الصريح، وهذا ما لا مخلص منه.
وأصل هذا كله: هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان، وقصها الله علينا في كتابه، وكانت في الحرث- وهو البستان، وقيل: إنها كانت أشجار عنب-، فنفشت فيها الغنم- والنفش إنما يكون ليلا-، فقضى داود لأصحاب البستان بالغنم; لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي الغنم، فأعطاهم [ ص: 137 ] إياها.
وأما سليمان فقضى على أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يعمروا البستان كما كان، ثم رأى أن مغله إلى حين عوده يفوت عليهم، ورأى أن مغل الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم يستغلونها، حتى يعود بستانهم كما كان، فإذا عاد، ردوا إليهم غنمهم.
فاختلف العلماء في مثل هذه القضية على أربعة أقوال:
أحدها: القول بالحكم السليماني في أصل الضمان وكيفيته، وهو أصح الأقوال وأشدها مطابقة لأصول الشرع والقياس، كما قد بينا ذلك في كتاب مفرد في الاجتهاد، وهذا أحد القولين في مذهب نص عليه في غير موضع، ويذكر وجها في مذهب أحمد، مالك والشافعي.
والثاني: موافقته في النفش دون المثل، وهذا المشهور من مذهب الشافعي ومالك وأحمد.
والثالث: عكسه، وهو موافقته في المثل دون النفش، وهو قول داود وغيره، فإنهم يقولون: وأما إذا انفلتت الغنم ليلا، لم يضمن صاحبها ما أتلفته. إذا أتلف البستان بتفريطه ضمنه بمثله،
والرابع: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل بل [ ص: 138 ] بالقيمة، فلم يوافقه لا في النفش، ولا في المثل، وهو مذهب وهذا من اجتهادهم في القياس، والعدل هو الذي أوجبه الله. أبي حنيفة،
فكل طائفة رأت العدل هو قولها، وإن كانت النصوص والقياس وأصول الشرع تشهد بحكم سليمان، كما أن الله سبحانه أثنى عليه به، وأخبر أنه فهمه إياه، وذكر مآخذ هذه الأقوال، وأدلتها وترجيح الراجح منها، له موضع غير هذا، أليق به من هذا.
والمقصود: أن القياس والنص يدلان على أنه يفعل به كما فعل، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم، رضخ رأس اليهودي، كما رضخ رأس الجارية، وأن ذلك لم يكن لنقض العهد، ولا للحراب; لأن الواجب في ذلك القتل بالسيف، وعن في ذلك أربع روايات: أحمد
إحداهن: أنه وهذا مذهب لا يستوفى في القود إلا بالسيف في العنق، أبي حنيفة.
والثانية: أنه يفعل به كما فعل، إذا لم يكن محرما لحق الله تعالى، وهذا مذهب مالك والشافعي.
[ ص: 139 ] والثالثة: إن كان الفعل أو الجرح مزهقا، فعل به نظيره، وإلا فلا.
والرابعة: إن كان الجرح أو القطع موجبا للقود لو انفرد، فعل به نظيره، وإلا فلا.
وعلى الأقوال كلها: إن لم يمت بذلك قتل.
وقد فقال تعالى : أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم، وإن كانت المثلة منهيا عنها، وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، وهذا دليل على أن والمثل هو [ق229] العدل. العقوبة بجدع الأنف، وقطع الأذن، وبقر البطن، ونحو ذلك هي عقوبة بالمثل، ليست بعدوان،
وأما كون المثلة منهيا عنها: فلما روى في "مسنده" من حديث أحمد سمرة بن جندب، قالا: وعمران بن حصين . ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة
فإن قيل: فلو لم يمت إذ فعل به نظير ما فعل، فأنتم تقتلونه، وذلك زيادة [ ص: 140 ] على ما فعل، فأين المماثلة ؟
قيل: هذا ينتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه في العنق ولم يوجبه، كان لنا أن نضربه، ثانية وثالثة، حتى يوجبه اتفاقا، وإن كان الأول، إذا ضربه ضربة واحدة.
واعتبار المماثلة له طريقان:
أحدهما: اعتبار الشيء بنظيره ومثله، وهو قياس العلة الذي يلحق فيه الشيء بنظيره.
والثاني: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع، بدليل العلة ولازمها، فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظي، كان من أقوى الأدلة، لاجتماع العمومين: اللفظي والمعنوي، وتظافر الدليلين: السمعي والاعتباري.
فيكون موجب الكتاب والميزان، والقصاص في مسألتنا: هو من هذا الباب كما تقدم تقريره، وهذا واضح لا خفاء به، ولله الحمد والمنة.