ولما أنتج هذا براءتها رضي الله عنها لأنها قرينة أطيب الخلق، أكده بقوله: والطيبات أي منهن للطيبين أي منهم والطيبون للطيبات بذلك قضى العليم الخبير أن كل شكل ينضم إلى شكله، ويفعل أفعال مثله، وهو سبحانه قد اختار لهذا النبي الكريم لكونه أشرف خلقه خلص عباده من الأزواج والأولاد والأصحاب كنتم خير أمة أخرجت للناس وكلما ازداد الإنسان منهم من قلبه صلى الله عليه وسلم قربا ازداد طهارة، وكفى بهذا البرهان دليلا على براءة الصديقة رضي الله عنها، فكيف وقد أنزل الله العظيم في براءتها صريح كلامه القديم، وحاطه من أوله وآخره بهاتين الآيتين المشيرتين إلى الدليل العادي، وقد تقدم عند آية "خيركم قرني" الزاني ذكر لحديث وما لاءمه، لكنه لم يستوعب تخريجه، [ ص: 245 ] وقد خرجه "الأرواح جنود مجندة" في الأدب من صحيحه مسلم في سننه من حديث وأبو داود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أبي هريرة وفي رواية عنه رفعها: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" وهذا الحديث روي أيضا عن "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" أم المؤمنين رضي الله عنها عائشة وعلي بن أبي طالب وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، وقد علق وعمرو بن عبسة في صحيحه حديث البخاري رضي الله عنها بصيغة الجزم، ووصله في كتاب الأدب المفرد وكذا عائشة الإسماعيلي في المستخرج، في كتاب الأمثال، وتقدم عزوه إلى وأبو الشيخ ، ولفظ حديث أبي يعلى رضي الله عنهما ابن عمر "فما كان في الله ائتلف، وما كان في غير الله اختلف" أخرجه في الأمثال، ولفظ حديث أبو الشيخ رضي الله عنه ابن مسعود "فإذا التقت تشام كما تشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف" - [ ص: 246 ] الحديث. وأما حديث رضي الله عنه فرواه علي في الأوسط في ترجمة الطبراني محمد بن الفضل السقطي وأبو عبد الله بن منده في كتاب الروح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا لعلي بن أبي طالب ! ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت، ثلاث أسألك عنهن هل عندك منهن علم؟ قال أبا الحسن : وما هن؟ قال: الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيرا، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا، فقال علي رضي الله عنه: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه السلام يقول: "إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" قال علي : واحدة، قال: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه (فبينا هو وما نسيه) إذ ذكره؟ فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم إذ تجلت فأضاء، وبينا القلب يتحدث إذ تجللته سحابة فنسي إذ تجلت عنه فذكر" ، فقال علي رضي الله عنه: [ ص: 247 ] اثنتان، وقال: والرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب؟ قال: نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد أو أمة ينام فيستثقل نوما إلا عرج بروحه إلى العرش، فالتي لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب" ، فقال عمر رضي الله عنه: ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت . عمر . قال
وكذا أخرج حديث الطبراني كحديث سلمان رضي الله عنهم أجمعين، وأنشدوا أبي هريرة لأبي نواس في المعنى:
إن القلوب لأجناد مجندة لله في الأرض بالأهواء تعترف فما تعارف منها فهو مؤتلف
وما تناكر منها فهو مختلف
ولما ثبت هذا كانت نتيجته قطعا: أولئك أي العالو الأوصاف بالطهارة والطيب مبرءون ببراءة الله وبراءة كل من له تأمل في مثل هذا الدليل مما يقولون أي القذفة الأخابث لأنها لا تكون [ ص: 248 ] زوجة أطيب الطيبين إلا وهي كذلك.
ولما أثبت لهم البراءة، استأنف الإخبار بجزائهم فقال: لهم مغفرة أي لما قصروا فيه إن قصروا، ولما كان في معرض الحث على الإنفاق على بعض الآفكين قال: ورزق كريم أي يحيون به حياة طيبة، ويحسنون له إلى من أساء إليهم، ولا ينقصه ذلك لكرمه في نفسه بسعته وطيبه وغير ذلك من خلال الكرم.