(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222nindex.php?page=treesubj&link=28973_637ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين )
[ ص: 285 ] هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة التي وردت معطوفة بالواو ، وهو يتصل بما قبله وما بعده في أن ذلك من الأحكام المتعلقة بالنساء ، وأما الأسئلة التي وردت قبلها مفصولة فلم تكن في موضوع واحد، فيعطف بعضها على بعض فجاءت على الأصل في سرد التعدد .
وقد كانت هذه الأسئلة في
المدينة حيث الاختلاط بين العرب
واليهود ، وهؤلاء يشددون في مسائل الحيض والدم ، كما هو مذكور في الفصل الخامس عشر من سفر اللاويين من الأسفار التي يسمون جملتها التوراة ، ومنها أن كل من مس الحائض في أيام طمثها يكون نجسا ، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء ، وكل من مس متاعا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء ، وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسا سبعة أيام ، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسا إلخ . وللرجل الذي يسيل منه دم نحو هذه الأحكام عندهم .
وأما
النصارى فقد نقل عنهم أنهم كانوا يتساهلون في أمر المحيض وكانوا مخالطين للعرب في مواطن كثيرة ، وروي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحيض ولا يؤاكلونهن كفعل
اليهود والمجوس ، ومن شأن الناس التساهل في أمور الدين التي تتعلق بالحظوظ والشهوات فلا يقفون عند الحدود المشروعة فيها لمنفعتهم ومصلحتهم ، فكان اختلاف ما عرف المسلمون عن أهل الكتاب مما يحرك النفس للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة المصلحة ، فسألوا كما في حديث
أنس الآتي قريبا فأنزل الله تعالى على نبيه :
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222ويسألونك عن المحيض ) أي : عن حكمه ، والمحيض هو الحيض المعروف : وهو
nindex.php?page=treesubj&link=618الدم الذي يخرج من الرحم على وصف مخصوص في زمن معلوم لوظيفة حيوية صحية تعد الرحم للحمل بعده إذا حصل التلقيح المقصود من الزوجية لبقاء النوع; فالمحيض كالحيض مصدر ، كالمجيء والمبيت ، ويطلق على زمان الحيض ومكانه ، والمرأة حائض بدون تاء; لأنه وصف خاص ، وجمعه حيض بتشديد الياء ( كراكع وركع ) وورد : حائضة وجمعه حائضات ، ولا حاجة إلى تقرير محل المحيض فإنما يسأل الشارع عن الأحكام (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ) قدم العلة على الحكم ورتبه عليها ليؤخذ بالقبول من المتساهلين الذين يرون الحجر عليهم تحكما ، ويعلم أنه حكم للمصلحة لا للتعبد كما عليه
اليهود ، والمراد من النهي عن القرب النهي عن لازمه الذي يقصد منه وهو الوقاع ، والمعنى أنه يجب على الرجال ترك غشيان نسائهم زمن المحيض; لأن غشيانهن سبب للأذى والضرر ، وإذا سلم الرجل من هذا الأذى فلا تكاد تسلم منه المرأة; لأن الغشيان يزعج أعضاء النسل فيها إلى ما ليست مستعدة له ولا قادرة عليه لاشتغالها بوظيفة طبيعية أخرى وهي إفراز الدم المعروف .
[ ص: 286 ] وقد فسر (
الجلال ) الأذى : بالقذر تبعا لغيره ، على أن أخذه على ظاهره وهو الضرر مقرر في الطب فلا حاجة إلى العدول عنه ، وقد جاء هذا الحكم وسطا بين إفراط الغلاة الذين يعدون المرأة الحائض وكل من يمسها أو يمس ثيابها أو فراشها من النجاسات ، وتفريط المتساهلين الذين يستحلون ملابستها في الحيض على ما فيه من الأذى والدنس .
وقد أفادت عبارة الآية الكريمة تأكيد الحكم إذ أمرت
nindex.php?page=treesubj&link=637باعتزال النساء في زمن المحيض ، وهو كناية عن ترك غشيانهن فيه ، ثم بينت مدة هذا الاعتزال بصيغة النهي ، والحكمة في التأكيد هي مقاومة الرغبة الطبيعية في ملابسة النساء وإيقافها دون حد الإيذاء ، وكان يظن بعض الناس أن الاعتزال وترك القرب حقيقة لا كناية ، وأنه يجب الابتعاد عن النساء في المحيض وعدم القرب منهن بالمرة ، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين لهم أن المحرم إنما هو الوقاع . عن
nindex.php?page=showalam&ids=9أنس بن مالك nindex.php?page=hadith&LINKID=918771أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأنزل الله عز وجل : ( nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ) إلى آخر الآية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ( اصنعوا كل شيء إلا الجماع ) ) رواه
أحمد ومسلم وأصحاب السنن . وفي حديث
حزام بن حكيم عن عمه أنه
nindex.php?page=hadith&LINKID=918772سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : ( ( لك ما فوق الإزار ) ) أي : ما فوق السرة ، رواه
أبو داود ، وقد حمل بعضهم النهي على من يخاف على نفسه الوقاع ، وكأن السائل كان كذلك ، وقال بعضهم : إن هذا الحديث مخصص للحديث الأول ولما في معناه ، فلا يجوز الاستمتاع إلا بما فوق السرة والركبة ، وهو تخصيص بالمفهوم والخلاف فيه عند الأصوليين معلوم . قرأ
حمزة nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي وعاصم (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222يطهرن ) بتشديد الطاء وأصله يتطهرن ، والباقون بالتخفيف .
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222nindex.php?page=treesubj&link=28973_32552فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) الطهر في قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222حتى يطهرن ) انقطاع دم الحيض وهو ما لا يكون بفعل النساء ، وأما التطهر فهو من عملهن وهو يكون عقب الطهر ، واختلفوا في المراد منه ، فقال بعض العلماء : هو غسل أثر الدم ، وقال
مجاهد وعكرمة : إن انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن تتوضأ ، والجمهور على أن المراد به الاغتسال بالماء إن وجد ، ولا مانع منه وإلا فالتيمم . وقالت الحنفية : إن طهرت لأقل من عشر فلا تحل إلا إذا اغتسلت وإن لعشر حلت ولو لم تغتسل وهو تفصيل غريب . والأمر بإتيانهن لرفع الحظر في النهي عن قربهن وبيان شرطه وقيده . والظاهر أن المراد بلفظ الأمر في قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222فأتوهن من حيث أمركم الله ) الأمر التكويني; أي : فأتوهن من المأتى الذي برأ الله تعالى الفطرة على الميل إليه ومضت سنته بحفظ النوع به وهو موضع النسل ، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر ما قضت به شريعة الله تعالى من طلب التزوج وتحريم الرهبانية ، فليس للمسلم أن يترك الزواج على نية العبادة والتقرب إلى الله تعالى; لأنه سبحانه قد امتن علينا بأن خلق
[ ص: 287 ] لنا من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها وأرشدنا إلى أن ندعوه بقوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=74ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) ( 25 : 74 ) ولا يتقرب إليه تعالى بترك ما شرعه وامتن به على عباده وجعله من نعمه عليهم ،
nindex.php?page=treesubj&link=10800_10790فإتيان النساء بالزواج الشرعي من الجهة التي يبتغى بها النسل من أعظم العبادات ، وتركه مع القدرة عليه وعدم المانع مخالفة لسنة الله تعالى في خليقته ، وسنته في شريعته . ولما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( (
nindex.php?page=hadith&LINKID=2003151وفي بضع أحدكم صدقة ) ) قالوا يا رسول الله : أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : ( ( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ) ) ؟ الحديث ، وكأن السائلين كانوا توهموا أن الإسلام يكون كالأديان الأخرى يجعل العبادة في تعذيب النفس ومخالفة الفطرة; كلا، إنه دين الفطرة يحمل الناس على إقامتها مع القصد وعدم البغي فيها .
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222nindex.php?page=treesubj&link=28973_19705إن الله يحب التوابين ) الذين إذا خالفوا سنة الفطرة بغلبة سلطان الشهوة فأتوا نساءهم في زمن المحيض أو في غير المأتى الذي أمر الله به، يرجعون إليه تائبين ولا يصرون على فعلهم السيئ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222ويحب المتطهرين ) من الأحداث والأقذار ، ومن إتيان المنكر ، بل هؤلاء أحب إليه من الذين يقعون في الدنس ثم يتوبون منه ، قال تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223nindex.php?page=treesubj&link=28973_251نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) بين في الآية السابقة حكم المحيض، وأحل غشيان النساء بعده ، وبين في هذه الآية حكمة هذا الغشيان التي شرع الزواج لأجلها ، وكان من مقتضى الفطرة وهي الاستنتاج والاستيلاد; لأن الحرث هو الأرض التي تستنبت ، والاستيلاد كالاستنبات ، وهذا التعبير على لطفه ونزاهته وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من قوله عز وجل : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222فأتوهن من حيث أمركم الله ) أو بيان له ، فهو يقول : إنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر ، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر وأسباب المثوبة والقربة إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد ، كما يحفظ النبات بالحرث والزرع ، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودا لذاته فتأتوا النساء في المحيض حيث لا استعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى ، وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث ، وقوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223أنى شئتم ) معناه كيف شئتم و ( أنى ) تستعمل غالبا بمعنى ( ( كيف ) ) وتستعمل بمعنى ( ( أين ) ) قليلا ، ولا يظهر هنا; لأن الحرث له مكان واحد لا يتعداه ، والأمر مقيد به; ولذلك أعاد ذكر الحرث مظهرا ولم يقل ( ( فأتوهن أنى شئتم ) ) فكأنه يقول : لا حرج عليكم في إتيان النساء بأي كيفية شئتم ما دمتم تقصدون بها الحرث في موضعه الطبيعي; لأن الشارع لا يقصد إلى إعناتكم ومنعكم من لذاتكم ، ولكن يريد ليوقفكم عند حدود المصلحة والمنفعة; كيلا تضعوا الأشياء في غير مواضعها فتفوت المنفعة وتحل محلها المفسدة . وهذا التفسير الذي ظهر به أن الآية متممة لمعنى ما قبلها يغنينا في فهمها عما روي في أسباب النزول .
[ ص: 288 ] وقد ذهب بعض المفسرين والمحدثين إلى أن ( أنى ) في الآية بمعنى المكان لا بمعنى الكيفية والصفة ، وقالوا : إنها نزلت في إباحة الإتيان في غير المزدرع والحرث فمعناها في أي النافذتين شئتم .
قال الأستاذ الإمام : إن جنون المسلمين بالرواية، هو الذي حمل بعضهم على تفسير الآية بهذا المعنى الذي تتبرأ منه عبارتها العالية ، ونزاهتها السامية ، ولم يلتفتوا إلى ذوق التعبير ومراعاة الأدب في بيان هذه الأحكام كما رأوا في الآية الكريمة ، فقد فاتهم فهم حكمها ، كما فاتهم حكمتها ونزاهتها وأدبها ، وأقول : إن ما اختاره الأستاذ الإمام في تفسير (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223أنى شئتم ) هو المأثور عن أئمة السلف والخلف ، وهو ظاهر من لفظ الآية لا يشتبه فيه من له ذوق العربية ، والروايات متعارضة متناقضة وأصحها حديث
جابر عند الشيخين وأهل السنن وغيرهم ، وهو أن سبب نزولها حظر
اليهود إتيان الحرث بكيفية غير المعهودة عندهم ، وزعمهم أن الولد يجيء أحول إذا كان العلوق بالوقاع من الطرف الآخر ، وتكذبهم التجارب ، وأما ما روي في إباحة الخروج عن سنة الفطرة فلا يصح منه شيء ، ولئن صح سندا فهو لن يصح متنا ، ولا نخرج عن هدي القرآن ومحجته البيضاء لرواية أفراد قيل إنه لا يعرف عنهم ما يجرح روايتهم .
ويؤيد التفسير المختار قوله تعالى بعد ما تقدم : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223nindex.php?page=treesubj&link=28973_24720وقدموا لأنفسكم واتقوا الله ) إلخ .
فهذه أوامر تدل على أن هنا شيئا يرغب فيه وشيئا يرغب عنه ويحذر منه ، أما ما يرغب فيه فهو ما يقدم للنفس وهو ما ينفعها في المستقبل ، ولا أنفع للإنسان في مستقبله من الولد الصالح ، فهو ينفعه في دنياه كما هو ظاهر ، وفي دينه من حيث إن الوالد سبب وجوده وصلاحه ، وقد ورد في الحديث :
nindex.php?page=hadith&LINKID=918773إن الولد الصالح من عمل المرء الذي ينفعه دعاؤه بعد موته ، ولا يكون الولد صالحا إلا إذا أحسن والداه تربيته ، فالأمر بالتقديم للنفس يتضمن الأمر باختيار المرأة الودود الولود التي تعين الرجل على تربية ولده بحسن خلقها وعملها ، كما يختار الزراعة في الأرض الصالحة التي يرجى نماء النبات فيها وإيتاؤه الغلة الجيدة ، ويتضمن الأمر بحسن تربية الولد وتهذيبه ، وأما ما يحذر منه ويتقى الله فيه فهو إخراج النساء عن كونهن حرثا بإضاعة مادة النسل في المحيض أو بوضعها في غير موضع الحرث ، وكذلك اختيار المرأة الفاسدة التربية، وإهمال تربية الولد; فإن الأمر بالتقوى ورد بعد النهي عن إتيان النساء في المحيض والأمر بإتيانهن من حيث أمر الله تعالى وهو موضع الحرث والأمر بالتقديم لأنفسنا ، فوجب تفسير التقوى بتجنب مخالفة هذا الهدي الإلهي .
nindex.php?page=treesubj&link=28973وقوله تعالى : ( nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223واعلموا أنكم ملاقوه ) إنذار للذين يخالفون عن أمره بأنهم يلاقون جزاء مخالفتهم في الآخرة كما يلاقونها في الدنيا بفقد منافع الطاعة والامتثال ، وتجرع مرارة عاقبة المخالفة والعصيان ، ثم قرن إنذار العاصين بتبشير المطيعين فقال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223وبشر المؤمنين )
[ ص: 289 ] الذين يقفون عند الحدود ويتبعون هدى الله تعالى في أمر النساء والأولاد ، وقد حذف ما به البشارة; ليفيد أنه عام يشمل منافع الدنيا ونعيم الآخرة ، ولا يعزب عن فكر العاقل أن من يختار لنفسه المرأة الصالحة ولا يخرج في شأن الزوجية عن سنة الفطرة والشريعة في ابتغاء الولد ، ثم إنه يحسن تربية ما يرزقه الله من ولد فإنه يكون في الدنيا قرير العين بحسن حاله وحال أهله وسعادة بيته ، وأما الذين تطغى بهم شهواتهم فتخرجهم عن الحدود والسنن فإنهم لا يسلمون من المنغصات والشقاء في حياتهم الدنيا ، وهم في الآخرة أشقى وأضل سبيلا ، وإنما سعادة الدارين في تكميل النفس بالاعتقاد الصحيح ، والأخلاق المعتدلة ، وتلك هي الفطرة السليمة ، والتعبير بالمؤمنين يشعر بأن العمل والامتثال والإذعان مما يتحقق به إيمان المؤمن وأن فائدة الإيمان بثمراته هذه ، وإن شئت قلت بتمام أركانه وهي الاعتقاد والقول والفعل ، كما ورد في الأحاديث الصحيحة المبينة للآيات الكريمة الدامغة للذين يفصلون بين الاعتقاد والأعمال اللازمة له .
وإننا نعيد التنبيه للاقتداء بنزاهة القرآن في التعبير عن الأمور التي يستحيا من التصريح بها بالكنايات البعيدة التي يفهم منها المراد ولا تستحي من تلاوتها العذراء في خدرها ، فإن الإتيان بمعنى المجيء فهو كناية لطيفة كقوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222ولا تقربوهن ) وتشبيه النساء بالحرث لا يخفى حسنه ، فأين هذه النزاهة مما تراه لبعضهم في تفسيرها وتفسير أمثالها من الآيات المعجزة بنزاهتها كإعجازها ببلاغتها ، ومما تراه في بعض كتب الدين الأخرى من العبارات المستهجنة التي قد يستغنى عنها في بيان المراد منها ؟ !
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222nindex.php?page=treesubj&link=28973_637وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )
[ ص: 285 ] هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي وَرَدَتْ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ ، وَهُوَ يَتَّصِلُ بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّسَاءِ ، وَأَمَّا الْأَسْئِلَةُ الَّتِي وَرَدَتْ قَبْلَهَا مَفْصُولَةً فَلَمْ تَكُنْ فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ، فَيُعْطَفُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَجَاءَتْ عَلَى الْأَصْلِ فِي سَرْدِ التَّعَدُّدِ .
وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ فِي
الْمَدِينَةِ حَيْثُ الِاخْتِلَاطُ بَيْنَ الْعَرَبِ
وَالْيَهُودِ ، وَهَؤُلَاءِ يُشَدِّدُونَ فِي مَسَائِلِ الْحَيْضِ وَالدَّمِ ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ مِنَ الْأَسْفَارِ الَّتِي يُسَمُّونَ جُمْلَتَهَا التَّوْرَاةَ ، وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَسَّ الْحَائِضَ فِي أَيَّامِ طَمْثِهَا يَكُونُ نَجِسًا ، وَكُلَّ مَنْ مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ ، وَكُلَّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ ، وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا إِلَخْ . وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ دَمٌ نَحْوُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عِنْدَهُمْ .
وَأَمَّا
النَّصَارَى فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي أَمْرِ الْمَحِيضِ وَكَانُوا مُخَالِطِينَ لِلْعَرَبِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ، وَرُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يُسَاكِنُونَ الْحُيَّضَ وَلَا يُؤَاكِلُونَهُنَّ كَفِعْلِ
الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ ، وَمِنْ شَأْنِ النَّاسِ التَّسَاهُلُ فِي أُمُورِ الدِّينِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْحُظُوظِ وَالشَّهَوَاتِ فَلَا يَقِفُونَ عِنْدَ الْحُدُودِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا لِمَنْفَعَتِهِمْ وَمَصْلَحَتِهِمْ ، فَكَانَ اخْتِلَافُ مَا عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا يُحَرِّكُ النَّفْسَ لِلسُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ الْمَحِيضِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُصْلِحَةِ ، فَسَأَلُوا كَمَا فِي حَدِيثِ
أَنَسٍ الْآتِي قَرِيبًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ :
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) أَيْ : عَنْ حُكْمِهِ ، وَالْمَحِيضُ هُوَ الْحَيْضُ الْمَعْرُوفُ : وَهُوَ
nindex.php?page=treesubj&link=618الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ عَلَى وَصْفٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَعْلُومٍ لِوَظِيفَةٍ حَيَوِيَّةٍ صِحِّيَّةٍ تُعِدُّ الرَّحِمَ لِلْحَمْلِ بَعْدَهُ إِذَا حَصَلَ التَّلْقِيحُ الْمَقْصُودُ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ لِبَقَاءِ النَّوْعِ; فَالْمَحِيضُ كَالْحَيْضِ مَصْدَرٌ ، كَالْمَجِيءِ وَالْمَبِيتِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى زَمَانِ الْحَيْضِ وَمَكَانِهِ ، وَالْمَرْأَةُ حَائِضٌ بِدُونِ تَاءٍ; لِأَنَّهُ وَصْفٌ خَاصٌّ ، وَجَمْعُهُ حُيَّضٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( كَرَاكِعٍ وَرُكَّعٍ ) وَوَرَدَ : حَائِضَةٌ وَجَمْعُهُ حَائِضَاتٌ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْرِيرِ مَحَلِّ الْمَحِيضِ فَإِنَّمَا يُسْأَلُ الشَّارِعُ عَنِ الْأَحْكَامِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) قَدَّمَ الْعِلَّةَ عَلَى الْحُكْمِ وَرَتَّبَهُ عَلَيْهَا لِيُؤْخَذَ بِالْقَبُولِ مِنَ الْمُتَسَاهِلِينَ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْحَجْرَ عَلَيْهِمْ تَحَكُّمًا ، وَيُعْلَمَ أَنَّهُ حُكْمٌ لِلْمَصْلَحَةِ لَا لِلتَّعَبُّدِ كَمَا عَلَيْهِ
الْيَهُودُ ، وَالْمُرَادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْقُرْبِ النَّهْيُ عَنْ لَازِمِهِ الَّذِي يُقْصَدُ مِنْهُ وَهُوَ الْوِقَاعُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ تَرْكُ غِشْيَانِ نِسَائِهِمْ زَمَنَ الْمَحِيضِ; لِأَنَّ غِشْيَانَهُنَّ سَبَبٌ لِلْأَذَى وَالضَّرَرِ ، وَإِذَا سَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ هَذَا الْأَذَى فَلَا تَكَادُ تَسْلَمُ مِنْهُ الْمَرْأَةُ; لِأَنَّ الْغِشْيَانَ يُزْعِجُ أَعْضَاءَ النَّسْلِ فِيهَا إِلَى مَا لَيْسَتْ مُسْتَعِدَّةً لَهُ وَلَا قَادِرَةً عَلَيْهِ لِاشْتِغَالِهَا بِوَظِيفَةٍ طَبِيعِيَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ إِفْرَازُ الدَّمِ الْمَعْرُوفِ .
[ ص: 286 ] وَقَدْ فَسَّرَ (
الْجَلَالُ ) الْأَذَى : بِالْقَذَرِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، عَلَى أَنَّ أَخْذَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ الضَّرَرُ مُقَرَّرٌ فِي الطِّبِّ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْعُدُولِ عَنْهُ ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحُكْمُ وَسَطًا بَيْنَ إِفْرَاطِ الْغُلَاةِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ وَكُلَّ مَنْ يَمَسُّهَا أَوْ يَمَسُّ ثِيَابَهَا أَوْ فِرَاشَهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ ، وَتَفْرِيطِ الْمُتَسَاهِلِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ مُلَابَسَتَهَا فِي الْحَيْضِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْأَذَى وَالدَّنَسِ .
وَقَدْ أَفَادَتْ عِبَارَةُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَأْكِيدَ الْحُكْمِ إِذْ أَمَرَتْ
nindex.php?page=treesubj&link=637بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي زَمَنِ الْمَحِيضِ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ غِشْيَانِهِنَّ فِيهِ ، ثُمَّ بَيَّنَتْ مُدَّةَ هَذَا الِاعْتِزَالِ بِصِيغَةِ النَّهْيِ ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّأْكِيدِ هِيَ مُقَاوَمَةُ الرَّغْبَةِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي مُلَابَسَةِ النِّسَاءِ وَإِيقَافِهَا دُونَ حَدِّ الْإِيذَاءِ ، وَكَانَ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الِاعْتِزَالَ وَتَرْكَ الْقُرْبِ حَقِيقَةً لَا كِنَايَةً ، وَأَنَّهُ يَجِبُ الِابْتِعَادُ عَنِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضِ وَعَدَمُ الْقُرْبِ مِنْهُنَّ بِالْمَرَّةِ ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إِنَّمَا هُوَ الْوِقَاعُ . عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=9أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ nindex.php?page=hadith&LINKID=918771أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ( اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ ) ) رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ . وَفِي حَدِيثِ
حِزَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ
nindex.php?page=hadith&LINKID=918772سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ ؟ قَالَ : ( ( لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ) ) أَيْ : مَا فَوْقَ السُّرَّةِ ، رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْوِقَاعَ ، وَكَأَنَّ السَّائِلَ كَانَ كَذَلِكَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخَصِّصٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلِمَا فِي مَعْنَاهُ ، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ إِلَّا بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بِالْمَفْهُومِ وَالْخِلَافُ فِيهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَعْلُومٌ . قَرَأَ
حَمْزَةُ nindex.php?page=showalam&ids=15080وَالْكِسَائِيُّ وَعَاصِمٌ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222يَطَّهَّرْنَ ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَأَصْلُهُ يَتَطَهَّرْنَ ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ .
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222nindex.php?page=treesubj&link=28973_32552فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأُتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ) الطُّهْرُ فِي قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222حَتَّى يَطْهُرْنَ ) انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ بِفِعْلِ النِّسَاءِ ، وَأَمَّا التَّطَهُّرُ فَهُوَ مِنْ عَمَلِهِنَّ وَهُوَ يَكُونُ عَقِبَ الطُّهْرِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنْهُ ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هُوَ غَسْلُ أَثَرِ الدَّمِ ، وَقَالَ
مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ : إِنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا وَلَكِنْ تَتَوَضَّأُ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ إِنْ وُجِدَ ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَإِلَّا فَالتَّيَمُّمُ . وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ : إِنْ طَهُرَتْ لِأَقَلِّ مِنْ عَشْرٍ فَلَا تَحِلُّ إِلَّا إِذَا اغْتَسَلَتْ وَإِنْ لِعَشْرٍ حَلَّتْ وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَهُوَ تَفْصِيلٌ غَرِيبٌ . وَالْأَمْرُ بِإِتْيَانِهِنَّ لِرَفْعِ الْحَظْرِ فِي النَّهْيِ عَنْ قُرْبِهِنَّ وَبَيَانِ شَرْطِهِ وَقَيْدِهِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ) الْأَمْرُ التَّكْوِينِيُّ; أَيْ : فَأْتُوهُنَّ مِنَ الْمَأْتَى الَّذِي بَرَأَ اللَّهُ تَعَالَى الْفِطْرَةَ عَلَى الْمَيْلِ إِلَيْهِ وَمَضَتْ سُنَّتُهُ بِحِفْظِ النَّوْعِ بِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ النَّسْلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ مَا قَضَتْ بِهِ شَرِيعَةُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ طَلَبِ التَّزَوُّجِ وَتَحْرِيمِ الرَّهْبَانِيَّةِ ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتْرُكَ الزَّوَاجَ عَلَى نِيَّةِ الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ خَلَقَ
[ ص: 287 ] لَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا أَزْوَاجًا لِنَسْكُنَ إِلَيْهَا وَأَرْشَدَنَا إِلَى أَنْ نَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=74رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) ( 25 : 74 ) وَلَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا شَرَعَهُ وَامْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَجَعَلَهُ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ،
nindex.php?page=treesubj&link=10800_10790فَإِتْيَانُ النِّسَاءِ بِالزَّوَاجِ الشَّرْعِيِّ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي يُبْتَغَى بِهَا النَّسْلُ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ ، وَتَرْكُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ مُخَالَفَةٌ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلِيقَتِهِ ، وَسُنَّتِهِ فِي شَرِيعَتِهِ . وَلَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( (
nindex.php?page=hadith&LINKID=2003151وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ) ) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ ؟ قَالَ : ( ( أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ ) ) ؟ الْحَدِيثَ ، وَكَأَنَّ السَّائِلِينَ كَانُوا تَوَهَّمُوا أَنَّ الْإِسْلَامَ يَكُونُ كَالْأَدْيَانِ الْأُخْرَى يَجْعَلُ الْعِبَادَةَ فِي تَعْذِيبِ النَّفْسِ وَمُخَالَفَةِ الْفِطْرَةِ; كَلَّا، إِنَّهُ دِينُ الْفِطْرَةِ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى إِقَامَتِهَا مَعَ الْقَصْدِ وَعَدَمِ الْبَغْيِ فِيهَا .
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222nindex.php?page=treesubj&link=28973_19705إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) الَّذِينَ إِذَا خَالَفُوا سُنَّةَ الْفِطْرَةِ بِغَلَبَةِ سُلْطَانِ الشَّهْوَةِ فَأَتَوْا نِسَاءَهُمْ فِي زَمَنِ الْمَحِيضِ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ تَائِبِينَ وَلَا يُصِرُّونَ عَلَى فِعْلِهِمُ السَّيِّئِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْأَقْذَارِ ، وَمِنْ إِتْيَانِ الْمُنْكَرِ ، بَلْ هَؤُلَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي الدَّنَسِ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْهُ ، قَالَ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223nindex.php?page=treesubj&link=28973_251نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) بَيَّنَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ حُكْمَ الْمَحِيضِ، وَأَحَلَّ غِشْيَانَ النِّسَاءِ بَعْدَهُ ، وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حِكْمَةَ هَذَا الْغِشْيَانِ الَّتِي شَرَعَ الزَّوَاجَ لِأَجْلِهَا ، وَكَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ وَهِيَ الِاسْتِنْتَاجُ وَالِاسْتِيلَادُ; لِأَنَّ الْحَرْثَ هُوَ الْأَرْضُ الَّتِي تَسْتَنْبِتُ ، وَالِاسْتِيلَادُ كَالِاسْتِنْبَاتِ ، وَهَذَا التَّعْبِيرُ عَلَى لُطْفِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَحَسُنِ اسْتِعَارَتِهْ تَصْرِيحٌ بِمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ) أَوْ بَيَانٌ لَهُ ، فَهُوَ يَقُولُ : إِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِإِتْيَانِ النِّسَاءِ الْأَمْرَ التَّكْوِينِيَّ بِمَا أَوْدَعَ فِي فِطْرَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الْآخَرِ ، وَالْأَمْرُ التَّشْرِيعِيُّ بِمَا جَعَلَ الزَّوَاجَ مِنْ أَمْرِ وَأَسْبَابِ الْمَثُوبَةِ وَالْقُرْبَةِ إِلَّا لِأَجْلِ حِفْظِ النَّوْعِ الْبَشَرِيِّ بِالِاسْتِيلَادِ ، كَمَا يُحْفَظُ النَّبَاتُ بِالْحَرْثِ وَالزَّرْعِ ، فَلَا تَجْعَلُوا اسْتِلْذَاذَ الْمُبَاشَرَةِ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ فَتَأْتُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ حَيْثُ لَا اسْتِعْدَادَ لِقَبُولِ زِرَاعَةِ الْوَلَدِ وَعَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ إِتْيَانِهِنَّ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ مَعْنَى الْحَرْثِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223أَنَّى شِئْتُمْ ) مَعْنَاهُ كَيْفَ شِئْتُمْ وَ ( أَنَّى ) تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا بِمَعْنَى ( ( كَيْفَ ) ) وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى ( ( أَيْنَ ) ) قَلِيلًا ، وَلَا يَظْهَرُ هُنَا; لِأَنَّ الْحَرْثَ لَهُ مَكَانٌ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّاهُ ، وَالْأَمْرُ مُقَيَّدٌ بِهِ; وَلِذَلِكَ أَعَادَ ذِكْرَ الْحَرْثِ مُظْهَرًا وَلَمْ يَقُلْ ( ( فَأْتُوهُنَّ أَنَّى شِئْتُمْ ) ) فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ شِئْتُمْ مَا دُمْتُمْ تَقْصِدُونَ بِهَا الْحَرْثَ فِي مَوْضِعِهِ الطَّبِيعِيِّ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَقْصِدُ إِلَى إِعْنَاتِكُمْ وَمَنْعِكُمْ مِنْ لَذَّاتِكُمْ ، وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُوقِفَكُمْ عِنْدَ حُدُودِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ; كَيْلَا تَضَعُوا الْأَشْيَاءَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا فَتَفُوتَ الْمَنْفَعَةُ وَتَحُلَّ مَحَلَّهَا الْمَفْسَدَةُ . وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي ظَهَرَ بِهِ أَنَّ الْآيَةَ مُتَمِّمَةٌ لِمَعْنَى مَا قَبْلَهَا يُغْنِينَا فِي فَهْمِهَا عَمَّا رُوِيَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ .
[ ص: 288 ] وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ إِلَى أَنَّ ( أَنَّى ) فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْمَكَانِ لَا بِمَعْنَى الْكَيْفِيَّةِ وَالصِّفَةِ ، وَقَالُوا : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي إِبَاحَةِ الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ الْمُزْدَرِعِ وَالْحَرْثِ فَمَعْنَاهَا فِي أَيِّ النَّافِذَتَيْنِ شِئْتُمْ .
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ : إِنَّ جُنُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالرِّوَايَةِ، هُوَ الَّذِي حَمَلَ بَعْضَهُمْ عَلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَتَبَرَّأُ مِنْهُ عِبَارَتُهَا الْعَالِيَةُ ، وَنَزَاهَتُهَا السَّامِيَةُ ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى ذَوْقِ التَّعْبِيرِ وَمُرَاعَاةِ الْأَدَبِ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَمَا رَأَوْا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، فَقَدْ فَاتَهُمْ فَهْمُ حُكْمِهَا ، كَمَا فَاتَهُمْ حِكْمَتُهَا وَنَزَاهَتُهَا وَأَدَبُهَا ، وَأَقُولُ : إِنَّ مَا اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223أَنَّى شِئْتُمْ ) هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ لَفْظِ الْآيَةِ لَا يَشْتَبِهُ فِيهِ مَنْ لَهُ ذَوْقُ الْعَرَبِيَّةِ ، وَالرِّوَايَاتُ مُتَعَارِضَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ
جَابِرٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَهْلِ السُّنَنِ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا حَظْرُ
الْيَهُودِ إِتْيَانَ الْحَرْثِ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ الْمَعْهُودَةِ عِنْدَهُمْ ، وَزَعْمِهِمْ أَنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ أَحْوَلَ إِذَا كَانَ الْعَلُوقُ بِالْوِقَاعِ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ ، وَتُكَذِّبُهُمُ التَّجَارُبُ ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ عَنْ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَئِنْ صَحَّ سَنَدًا فَهُوَ لَنْ يَصِحَّ مَتْنًا ، وَلَا نَخْرُجُ عَنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ وَمَحَجَّتِهِ الْبَيْضَاءِ لِرِوَايَةِ أَفْرَادٍ قِيلَ إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمْ مَا يَجْرَحُ رِوَايَتَهُمْ .
وَيُؤَيِّدُ التَّفْسِيرَ الْمُخْتَارَ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223nindex.php?page=treesubj&link=28973_24720وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) إِلَخْ .
فَهَذِهِ أَوَامِرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَا شَيْئًا يُرَغَّبُ فِيهِ وَشَيْئًا يُرَغَّبُ عَنْهُ وَيُحَذَّرُ مِنْهُ ، أَمَّا مَا يُرَغَّبُ فِيهِ فَهُوَ مَا يُقَدَّمُ لِلنَّفْسِ وَهُوَ مَا يَنْفَعُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَلَا أَنْفَعَ لِلْإِنْسَانِ فِي مُسْتَقْبَلِهِ مِنَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ ، فَهُوَ يَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، وَفِي دِينِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْوَالِدَ سَبَبُ وُجُودِهِ وَصَلَاحِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=918773إِنَّ الْوَلَدَ الصَّالِحَ مِنْ عَمَلِ الْمَرْءِ الَّذِي يَنْفَعُهُ دُعَاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ صَالِحًا إِلَّا إِذَا أَحْسَنَ وَالِدَاهُ تَرْبِيَتَهُ ، فَالْأَمْرُ بِالتَّقْدِيمِ لِلنَّفْسِ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الْوَدُودِ الْوَلُودِ الَّتِي تُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى تَرْبِيَةِ وَلَدِهِ بِحُسْنِ خُلُقِهَا وَعَمَلِهَا ، كَمَا يَخْتَارُ الزِّرَاعَةَ فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يُرْجَى نَمَاءُ النَّبَاتِ فِيهَا وَإِيتَاؤُهُ الْغَلَّةَ الْجَيِّدَةَ ، وَيَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِحُسْنِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَتَهْذِيبِهِ ، وَأَمَّا مَا يُحَذَّرُ مِنْهُ وَيُتَّقَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ إِخْرَاجُ النِّسَاءِ عَنْ كَوْنِهِنَّ حَرْثًا بِإِضَاعَةِ مَادَّةِ النَّسْلِ فِي الْمَحِيضِ أَوْ بِوَضْعِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَرْثِ ، وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ الْفَاسِدَةِ التَّرْبِيَةِ، وَإِهْمَالُ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ; فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى وَرَدَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضِ وَالْأَمْرُ بِإِتْيَانِهِنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَرْثِ وَالْأَمْرِ بِالتَّقْدِيمِ لِأَنْفُسِنَا ، فَوَجَبَ تَفْسِيرُ التَّقْوَى بِتَجَنُّبِ مُخَالَفَةِ هَذَا الْهَدْيِ الْإِلَهِيِّ .
nindex.php?page=treesubj&link=28973وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ) إِنْذَارٌ لِلَّذِينِ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ بِأَنَّهُمْ يُلَاقُونَ جَزَاءَ مُخَالَفَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا يُلَاقُونَهَا فِي الدُّنْيَا بِفَقْدِ مَنَافِعِ الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ ، وَتَجَرُّعِ مَرَارَةِ عَاقِبَةِ الْمُخَالَفَةِ وَالْعِصْيَانِ ، ثُمَّ قَرَنَ إِنْذَارَ الْعَاصِينَ بِتَبْشِيرِ الْمُطِيعِينَ فَقَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=223وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )
[ ص: 289 ] الَّذِينَ يَقِفُونَ عِنْدَ الْحُدُودِ وَيَتَّبِعُونَ هُدَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَمْرِ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ ، وَقَدْ حَذَفَ مَا بِهِ الْبِشَارَةُ; لِيُفِيدَ أَنَّهُ عَامٌّ يَشْمَلُ مَنَافِعَ الدُّنْيَا وَنَعِيمَ الْآخِرَةِ ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ فِكْرِ الْعَاقِلِ أَنَّ مَنْ يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ وَلَا يَخْرُجُ فِي شَأْنِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ وَالشَّرِيعَةِ فِي ابْتِغَاءِ الْوَلَدِ ، ثُمَّ إِنَّهُ يُحْسِنُ تَرْبِيَةَ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا قَرِيرَ الْعَيْنِ بِحُسْنِ حَالِهِ وَحَالِ أَهْلِهِ وَسَعَادَةِ بَيْتِهِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ تَطْغَى بِهِمْ شَهَوَاتُهُمْ فَتُخْرِجُهُمْ عَنِ الْحُدُودِ وَالسُّنَنِ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنَ الْمُنَغِّصَاتِ وَالشَّقَاءِ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَشْقَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ، وَإِنَّمَا سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ فِي تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِالِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ ، وَالْأَخْلَاقِ الْمُعْتَدِلَةِ ، وَتِلْكَ هِيَ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُؤْمِنِينَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعَمَلَ وَالِامْتِثَالَ وَالْإِذْعَانَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِ وَأَنَّ فَائِدَةَ الْإِيمَانِ بِثَمَرَاتِهِ هَذِهِ ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ بِتَمَامِ أَرْكَانِهِ وَهِيَ الِاعْتِقَادُ وَالْقَوْلُ وَالْفِعْلُ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الدَّامِغَةِ لِلَّذِينِ يَفْصِلُونَ بَيْنَ الِاعْتِقَادِ وَالْأَعْمَالِ اللَّازِمَةِ لَهُ .
وَإِنَّنَا نُعِيدُ التَّنْبِيهَ لِلِاقْتِدَاءِ بِنَزَاهَةِ الْقُرْآنِ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي يُسْتَحْيَا مِنَ التَّصْرِيحِ بِهَا بِالْكِنَايَاتِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا الْمُرَادُ وَلَا تَسْتَحِي مِنْ تِلَاوَتِهَا الْعَذْرَاءُ فِي خِدْرِهَا ، فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ فَهُوَ كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ كَقَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=222وَلَا تَقْرُبُوهُنَّ ) وَتَشْبِيهُ النِّسَاءِ بِالْحَرْثِ لَا يَخْفَى حُسْنُهُ ، فَأَيْنَ هَذِهِ النَّزَاهَةُ مِمَّا تَرَاهُ لِبَعْضِهِمْ فِي تَفْسِيرِهَا وَتَفْسِيرِ أَمْثَالِهَا مِنَ الْآيَاتِ الْمُعْجِزَةِ بِنَزَاهَتِهَا كَإِعْجَازِهَا بِبَلَاغَتِهَا ، وَمِمَّا تَرَاهُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الدِّينِ الْأُخْرَى مِنَ الْعِبَارَاتِ الْمُسْتَهْجَنَةِ الَّتِي قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا فِي بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهَا ؟ !